نخبة من الأكاديميين

256

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

خصائص الفاعل المهيمن سواء من حيث عناصر القوة المادية أو من حيث القدرة على ممارسة النفوذ والسلطة . وقد أثر دور وأبعاد هذه القوة العثمانية في تشكيل العلاقات بين الشرق الإسلامي والغرب المسيحي في مرحلة مهمة من تطور كل من الطرفين ، ويمكن تلخيص هذا الدور فيما يلي : هل أضحت الدولة العثمانية دولة الخلافة الإسلامية ؟ « 1 » ومنذ متى ؟ وما هي الدوافع وما هي المزايا ؟ تطورت الدولة العثمانية منذ نشأتها وتطورها من إمارة التخوم إلى الدولة إلى القوة الإقليمية إلى الإمبراطورية العالمية بعد ضمها الوطن العربي « 2 » ، ومع هذا التطور تعددت محاور الجغرافيا السياسية التي دارت حولها التفاعلات الدولية التي شاركت فيها الدولة العثمانية بدور أساسي في مواجهة طرف غير مسلم ، فهناك التفاعلات حول فتح أراضٍ غير مسلمة ( ساحتها أوروبا أساسًا ) ، وهناك التنافس مع قوى مسيحية دفاعًا عن أراضٍ مسلمة ( شمال أفريقيا ، آسيا الوسطى ، والقوقاز ) ، وهناك ضم مناطق إسلامية أو مد النفوذ إليها على نحو أثار مشكلات ممتدة مع القوى المسيحية المتنافسة حول هذه المناطق ( الوطن العربي ) وهناك أخيرًا الصراع المسلح مع قوى إسلامية ( الصفويين ) . ولقد تطورت أنماط التفاعلات حول هذه المحاور مع تطور حال الطرف العثماني وحال الأطراف الأوروبية المنافسة وحال المناطق المعنية وذلك عبر عدة مراحل فرعية غلب التفوق العثماني على الأولى منها ( القرن العاشر ه - و 16 م ) ، ثم برز الضعف والتآكل في مصادر القوة العثمانية في مرحلة تالية امتدت حتى أواخر القرن الثامن عشر م حيث بدأت مرحلة الانهيار والسقوط . الأبعاد الداخلية المجتمعية والنظمية في الدول الإسلامية إذا كان عصر القوة أو الفتوح الإسلامية الكبرى قد اقترن بأوضاع داخلية متميزة وإذا كان عصر القوة أو الفتوح العثمانية اقترن أيضًا بأوضاع خارجية متميزة ، فإن عصر التدهور والضعف الذي بدأ منذ أوائل القرن السابع عشر م ووصل إلى قمته في نهاية القرن الثامن عشر م اقترن ليس فقط بتغييرات في الطرف الآخر غير المسلم والذي نمت قوته وإنما بتغييرات داخلية مجتمعية خطيرة كان جزء مهم منها انعكاسًا لتطورات تاريخية دولية هامة . وبالمثل بالنسبة لمراحل قوة ثم تدهور مراكز القوة الإسلامية الأخرى المستقلة عن الدولة العثمانية وبالنسبة لأسباب التراجع والضعف في العالم الإسلامي بصفة عامة منذ القرن السابع عشر م والتي تبدأ منها جميعًا جذور علاقات التبعية وعلاقات القوة غير المتكافئة بين الشرق الإسلامي والغرب المسيحي والتي تتسم بها العلاقات المعاصرة بين هذين الطرفين . ومن ثم فإن القرون الأربعة التي استغرقها العصر العثماني والتي استغرقتها بصفة خاصة تطورات الدولة العثمانية إنما تعد ساحة مهمة لاختيار نمط التفاعل بين العوامل الداخلية والخارجية وتأثيره على توازن القوى الدولية من خلال تأثيره على صعود ثم هبوط مراكز القوة العالمية . وإذا كان صعود ثم سقوط الخلافات الدول ( الأموية والعباسية ) وكذلك الدولة المملوكية قد حظي أيضًا بالاهتمام بدراسة

--> ( 1 ) أنظر تفاصيل هذه الاختلافات في المصادر العربية والأجنبية في : د . محمد عبد المنعم الواقد : الغزو العثماني لمصر ، مؤسسة شباب الجامعة ، الإسكندرية ، د . ت . ص ص 214 - 225 . محمد فريد : تاريخ الدولة العلية العثمانية ، تحقيق د . إحسان حقي ، دار النفائس ، بيروت ، ط 1 ، 1408 - 1988 ، ص 195 . د . أحمد عبد الرحيم مصطفى : أصول التاريخ العثماني ، ط 2 ، دار الشروق ، القاهرة 1982 ، ص ص 86 - 87 . د . عبد الرحيم عبد الرحمن : تاريخ العرب الحديث والمعاصر ، ط 4 ، دار الكتاب الجامعي ، القاهرة ، 1986 ، ص 50 - 51 . د . علي حسن الخربوطلي : الإسلام والخلافة ، دار بيروت للطباعة والنشر ، بيروت 1969 ، ص ص 253 - 261 . برنارد لويس : " السياسة والحرب في الإسلام " ، في : شاخت وبوورث : تراث الإسلام ، ترجمة محمد زهير ، عالم المعرفة ، 1987 ، ج 1 . د . سيار الجميل : الدولة العثمانية وتكوين العرب الحديث ، مؤسسة الأبحاث العربية ، بيروت 1989 ، ص ص 135 - 145 . ( 2 ) أنظر تحليلًا نقديًا للأدبيات التي ساهمت في دراسة هذا التطور من مرحلة النشأة إلى مرحلة الإمبراطورية العالمية ثم التحديث والإصلاح ثم السقوط في : - د . سيار الجميل : مرجع سابق ، ص ص 41 - 128 .